لبنان

التأليف: بين الدستور ولعبة الدومينو.. و”كلن يعني كلن” يمارسون العبثية السياسية الإلغائية

كثيرة هي التفسيرات والاجتهدات التي تطال الصلاحيات الدستورية في عملية تشكيل الحكومة، لكن كل ما يجري على أرض الواقع يؤكد بما لا يقبل الشك أو السجال أن كل الأزمات في البلد سواء كانت تتصل باستحقاقات دستورية أو اقتصادية أو أمنية، مردها الخلافات والتجاذبات السياسية بين القوى الأساسية التي تلجأ إلى تفسير مواد الدستور وفق حساباتها ورهاناتها وبخلفية سياسية غير أبهة بكرة النار المعيشية والاجتماعية.

أربعة اشهر تقريبآ على تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة، والصراع على خط بعبدا – بيت الوسط ينبئ أن الآتي أعظم وأن مرحلة تصريف الاعمال قد تطول، رغم مناشدة أحزاب السلطة ولو “صورياً” المعنيين ضرورة التيقن للواقع المأزوم الذي يتطلب تحريكا استثنائيا لعجلة التشكيل، لأن السلبية واللامبالاة التي يضعها البعض لن تؤدي سوى إلى إطالة أمد الأزمة.

بعد خطاب الرئيس الحريري في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والذي سرد فيه تفاصيل المفاوضات التي دارت بينه وبين الرئيس العماد ميشال عون منذ الجلسة الثانية، ثمة من يظن، نقلا عن مصادر معنية بالتأليف، أن الحريري ترك كوة مفتوحة مع الرئاسة الأولى من أجل التفاهم على تشكيلة حكومية في وقت قريب وأن الإسبوع المقبل سيشهد بروز مساعي محلية تواكب الحراك الخارجي لتأليف الحكومة. لكن الأمور في ميرنا الشالوحي لا تبشر بالخير، فتكتل لبنان القوي، وفق مصادره لـ”لبنان24″، أصبح مقتنعا أكثر من أي وقت مضى أن مواد الدستور المتصلة بتأليف الحكومة يجب أن تخضع إلى تعديلات في أسرع وقت ممكن، إذ لا يجوز لشخص أن يعطل التأليف ويترك البلد في مهب الأزمات لأنه ينتظر إشارة من الخارج. وهنا تذكر المصادر بالاقتراح الذي تقدم به النواب جورج عطالله وادي معلوف وسليم عون ويلزم الرئيس المكلف تأليف الحكومة في مهلة أقصاها شهر من تاريخ تسميته لتأدية هذه المهمة، كما يلزم الاقتراح رئيس الجمهورية بالدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة في مهلة أقصاها شهر من تاريخ استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة، لكنها تقول إن وضع هذا الاقتراح على جدول أعمال الهيئة العامة ينتظر رئيس المجلس النيابي ليبنى على الشيء مقتضاه في حينه، لجهة تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود في شأن النقاشات وتصويت الكتل النيابية.

قد يكون اقتراح نواب التيار البرتقالي المتصل بتحديد المهل الزمنية للرئيس المكلف ورئيس الجمهورية من خلال تعديل المادتين 53 (الفقرة 3 ) و 64 (الفقرة 2 ) من الدستور، أكثر من مهم في خضم ما يجري عند كل مفترق تكليف وتأليف، لكن المفارقة تكمن، وفق المراقبين، أن التيار العوني قدم اقتراحه من خلفية صراعه المستحكم مع الرئيس الحريري وتيار المستقبل، إذ أن رئيس الجمهورية ووزراء ونواب “لبنان القوي” تناسوا أن حكومات عديدة تعطل تأليفها أشهرًا عدة بسبب تمسك الرئيس عون بتوزير باسيل وتوليه حقائب محددة( الخارجية أو الطاقة)، وهنا تشدد المصادر على أن الخشية من الاقتراح تكمن في نيات النائب جبران باسيل الذي لا يكف عن محاولات التعدي على صلاحيات الرئاسة الثالثة.

إن عدم تحديد مهلة زمنية لتأليف الحكومة لا يعني، وفق بعض القانونيين، الشروع في المماطلة والتسويف، خاصة وأن الدستور حدد للحكومة مهلة ثلاثين يوماً لإقرار البيان الوزاري والمثول أمام مجلس النواب لنيل الثقة على أساسه، الأمر الذي يفرض أن لا يتجاوز التأليف مهلة الثلاثين يوماً، علما أن الوزير الأسبق إدمون رزق طرح خلال المداولات التي جرت في الطائف عام 1989، تحديد مهلة للرئيس المكلف لتقديم تشكيلته الوزارية، إلا أن طرحه لم يبصر النور، وحينذاك رأى الرئيس الراحل صائب سلام أن طرح رزق من شأنه أن يعزز صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب الرئيس المكلف ويضرب التوافق بينهما حول تأليف الحكومة.

يبقى أن الانقسام السياسي حول الاقتراح العوني قد يبقيه في الأدراج إلى أجل غير مسمى، ومع ذلك فإن المشكلة ليست في إقرار هذا الاقتراح من عدمه فهناك الكثير من الاقتراحات أقرّت ولم تنفذ. فالأزمة أعمق بكثير، وهي لا تتصل بالدستور أو باتفاق الطائف، إنما تكمن بالمنظومة الحاكمة (كلن يعني كلن) التي تمارس العبثية السياسية الإلغائية عندما يتم المس بمكتسباتها وربما يتعمد بعض قواها لعب “الدومينو” قبل فوات الأوان.

Lebanon 24

مقالات ذات صلة