لبنان

معركة كسر عظم: وثيقة وطنية ضد ابتزاز عون.. وبري محايد

كتب منير الربيع في “المدن”: يغيب الرئيس نبيه بري عن المشهد السياسي، فلا يقدم مبادرة لتسوية سياسية جديدة. وهو المعروف برجل المبادرات، يفضل حالياً الوقوف على الحياد، فيما يخوض رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل معركة ضد كل خصومهما.

بري مرغم على الحياد

ولو قدِّر لبرّي اختيار موقعه لوقف جهاراً نهاراً في مواجهة عون وباسيل. لكنه لا يريد أن يكون عامل انقسام جديد، بناءً على حساباته المتعددة: علاقته المعقدة بحزب الله، ودوره كرئيس لمجلس النواب، ورفضه خوض مواجهات سياسية في هذه المرحلة.

ويعلم برّي أن البلد دخل مرحلة كسر عظم سياسي، وليس سهلاً الخروج منها أو تفاديها. فعون وباسيل يريدان تثبيت نفوذهما، وأن يسلّم الجميع بسيطرتهما السياسية والدستورية، وعلى قوى متعددة، مسيحية وإسلامية، ترفض الانكسار أمامهما بأي شكل من الأشكال.

التجربة المرة: عون وابتزازه

وفي الأثناء تحضر في ذاكرة خصوم عون التجربة السياسية المريرة للسنوات الخمس عشرة الماضية. ويستعيدون كيف عرقل الرجل وعطل استحقاقات، ونجح في ابتزاز الجميع بناء على تحالفه مع حزب الله. وكلهم قدموا له التنازلات.

لكنهم اليوم يرون أن ذلك لم يعد ممكناً ولا متاحاً. فالبلد بلغ مرحلة خطرة، لم تعد تحتمل تراجعهم وتنازلهم، أو تفادي الانفجار. إنه صراع الخيارات الأخيرة، أو ما تسميه القوى السياسية والطائفية صراع الهويات والوجود.

واستبق باسيل هذا الصراع بدعوته إلى تعديل الدستور أو الذهاب إلى نظام جديد. والمرحلة الحالية تشبه كثيراً مرحلة ما قبل التسوية الرئاسية مع عون، الذي أفصح آنذاك عن جملة طروحات من شأنها تغيير جوهر النظام اللبناني: تارة إجراء استفتاء شعبي، وطوراً انتخاب الرئيس من الشعب مباشرة، أو إسقاط المجلس النيابي انتخاب مجلس جديد ينتخب رئيس الجمهورية.

إنها الألاعيب العونية على حافة الهاوية التي يجيدها عون وباسيل، لتحقيق ما يريدانه: يصعّدان إلى أقصى الحدود، للحصول على تنازل من الخصوم. وعندما ينتزعان التنازل تلو التنازل يتراجعان ويركنان إلى النظام القائم.

وتتجدد لعبة الرجلين حالياً. كل سلاح في معركتهما مباح. فهي حرب شعواء على الخصوم: من إثارة ملفات من الفساد، إلى استحضار شياطين الطائفية والمذهبية. وفي المقابل لا يبدو الخصوم حتى الآن في وارد التراجع أو تقديم التنازل. لكن اللعبة خطرة اليوم، وتفاقم الانهيارات القائمة. وقد تؤدي إلى ما هو اخطر: التوتر في الشارع.

وثيقة وطنية جامعة

وحياد بري لا يخفي وقوفه إلى جانب خصوم عون: الأسبوع الفائت التقى فؤاد السنيورة. ورؤساء الحكومة السابقون اجتمعوا بجنبلاط، فبحثوا في التحضير لوثيقة وطنية جديدة تؤكد الالتزام بالدستور واتفاق الطائف. ويُفترض أن يبادروا إلى تحرك أوسع في اتجاه القوى المسيحية: البطريرك الراعي، حزب القوات اللبنانية، حزب الكتائب، وشخصيات مسيحية مستقلة. وهذا لئلا تأخذ الوثيقة واللقاءات طابعاً طائفياً.

فالعنوان الأساسي للوثيقة ينطلق من ما يطرحه البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي يحمل عون مسؤولية التدهور، حسب المعلومات. وهو أبدى استياءً كبيراً من تسريب الفيديو الذي يشتم فيه رئيس الجمهورية رئيسَ الحكومة المكلف.

وبعض عناوين الوثيقة تؤكد الحفاظ على المناصفة والتنوع، العيش المشترك، والإستراتيجية الدفاعية، والعلاقات الجيدة مع المجتمعين العربي والدولي.

ولا يهدف التحرك إلى إعادة إحياء جبهات تؤسس لانقسام عمودي جديد في البلاد. بل إلى الانطلاق من مرتكزات الحوار الوطني، التي توافق عليها المجتمعون في الحوارات المتعددة التي عقدت منذ العام 2005 إلى اليوم. وبناء على هذه العناوين الجامعة، لا تشكل هذه الحركة استفزازاً لأي طرف. وبما أن هناك من يريد الدخول في مواجهة مع حزب الله، وآخرون يحصرون المواجهة بعون، تحاول الأطراف التي تجتمع أن تقتصر المجابهة على عون – باسيل وحدهما. وهذا لتجنّب أي خطأ سياسي.

وتلحظ الوثيقة الملفات التي اتفق عليها، لتفويت أية ذريعة للآخرين الذين يدعون أنهم مستهدفون. وليس بري وحده من يقف على الحياد في معركة كسر العظم هذه. فحزب الله أيضاً يوازن في مواقفه بين رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف.

وفي هذه المعركة البلد كله بمؤسساته ومرتكزاته موضوع على المشرحة.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة