لبنان

نيتشه والثورة ومعاداة الأديان

كتب عامر جلول: “مات الله”… عبارة استحوذت انتباهي للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه صاحب كتاب “نقيض المسيح” الذي نفذ فيه هجوماً غير مسبوق على المسيح وتعاليم المسيحية الكاثوليكية بالتحديد، ويعود ذلك لتاريخها الأسود والدموي في أوروبا وكيفية سيطرة الكنيسة على الحياة السياسية والاجتماعية وكل أوجه الحياة عموماً.

كانت أوروبا قبل الثورة الفرنسية تعيش تحت وطأة وسيطرة رجال الدين والإكليروس وكانت تعاليمهم تخالف ثورة العلوم المادية والتطبيقية وقد أدت إلى قتل الكثير من العلماء مثل كوبرنيكوس وجاليليو، كما أنها كانت تعادي التجارة ولكن عند ظهور الحركة الإصلاحية التي قام بها مارتن لوثر والتي تعتبر تلك الحقبة بداية الليبرالية والرأسمالية، أدى هذا الأمر إلى تصادم حضاري بين الكاثوليكية والبروتستانية، حيث غرقت أوروبا في بحرٍ من الدماء لعشرات السنوات، إلا أنها لم تستطع أن تُخلص أوروبا من عتمة الجهل بشكلٍ سريع.

هذه الحقبة من الصراعات أنتجت ردات فعلٍ على الصعيد الفلسفي فخرجت منها الماركسية والنتشيه اللتان تعاديان الأديان والحالة الكنسية، ولقد عبر ماركس عن هذا بمقولة: “الدين أفيون الشعوب”، وتلك العبارة لها الكثير من الأسباب، إذ ظهرت الشيوعية كردة فعلٍ على الثورة الصناعية في إنجلترا التي رسخت الإقطاعية والبرجوازية وحقرت البروليتارية وحرمتهم من حقوقهم الانسانية، فكان رجال الدين آنذاك يعيشون في حالة من الرفاه ويملكون الأراضي بينما كان الشعب يعيش في الفقر والعوز.

ثم جاء نيتشه صاحب نظرية القوة وسوبرمان والتي أنتجت النازية والفاشية فيما بعد، وقال كلمته الشهيرة: “مات الله”. هو فعلياً لم يقصد ذلك نصياً ولا حرفياً، ولكن كانت عبارته نتاج أفعال الكنيسة التي لم تعكس تعاليم المسيحية الحقيقية.
وفي كتابه “نقيض المسيح”، كان هجومه مركّزاً على المسيحية حيث اعتبر أن تعاليم المسيح تقوم على الضعف والسلام والحب، وهذه المصطلحات في الحياة لا تلتقي إطلاقاً، فإنّ القوة هي أساس البقاء، وفي تلك الفترة كانت قد انتشرت في أوروبا أفكار الثورة الفرنسية التي قامت على العلمنة والكراهية للأديان مقتبسةً أفكار الفلاسفة المناهضين لفكرة الكنيسة وسيطرة الاكليروس والسلطة الزمنية.
جاءت ثورة 17 تشرين في لبنان حيث خرج عشرات الآلاف من الناس بطريقة عفوية للمطالبة بمطالب اجتماعية ومعيشية بكافة أطيافهم الدينية والمناطقية وخلفياتهم السياسية، ولكن المفاجئ أنّ الكثير من المجموعات الثورية خرجت من رحم هذه الثورة تحمل شعارات معاداة الأديان وتعتبرها شرّاً مطلقاً، وتعتبر أنّ الدين هو أصل الفساد، وهو من يتحكم باللعبة السياسية، وهو سبب الاهتراء البنيوي للدولة اللبنانية، فمنهم من يطالب بإلغاء المحاكم الدينية ومنهم من يطالب بعلمنة الدولة.
طبعاً إن السلطة الدينية هي جزء من اللعبة السياسية في لبنان، وإن الفساد الذي ينخر في جسد المحاكم الدينية هو نفسه الفساد الذي ينخر المحاكم المدنية والجزائية، ما يعني أنه لا قدسية لأحد في محاربة الفساد، ولكن إن تلك المحاكم لا تؤثر بطبيعة الحال على الإصلاح المؤسساتي في الدولة. هذا على المستوى المؤسساتي والمادي، أما على المستوى الروحي فإنهم يعتبرون أنّ روح الدين وجوهره قد يعزز الكراهية في نفوس المواطنين ويحدث انقسام اجتماعي حاد أدى سابقاً إلى حرب وقد يؤدي مستقبلاً أيضاً إليها، وكانوا يأخذون تركيا وفرنسا مثالاً على معاداة الأديان وهو سبب تطور تلك الدولتين على كافة الأصعدة.
ولكن من يقرأ تاريخ الدول وصعود الأمم وسقوطها يدرك أن سبب زوالها هو انسلاخ المادة عن الروح، فالاتحاد السوفياتي سقط بسبب التفريغ الروحي منه، طبعاً هذا واحد من الأسباب، إذ إن عملية تفريغ المؤسسات من الانسنة والروح تؤدي إلى تفريغه من مضمونه الحضاري، فإن معاداة الأديان سوف تؤدي إلى فراغ في روحانية المواطن والقيم الإنسانية، كما أن كل الأديان قد نزلت من أجل تهذيب الأنفس ووضع حدود لتجاوزات الإنسان لإنسانيته ولإعادة الإنسان إلى إنسانيته الأصلية. وإن الدين هو نقيض الطائفية التي تُستخدم في تهييج الشارع، إذ إن الدين لا يسمح بالفساد ولا السرقات ولا الرشوات، التي تحصل في الدول وعلى رأسهم الدولة اللبنانية، بل يجرم كل هذه الأمور ويحاربها.

يقول نابوليون إنّ الدين هو بوصلة الدولة مع العلم أن نابوليون كان قد اُتهم بأنه المسيح الدجال لأنه يكره الأديان ولكنه يعرف أن الدين ضرورة لعدم تفريغ الجسد من الروح، ومشكلة الفساد ليس أساسها الدين إطلاقاً إنما الفساد، والفساد إنساني وليس فساداً ربّانياً.

المصدر: خاص “لبنان 24”

مقالات ذات صلة