فن

آخر يوم من مئوية لبنان الكبير من على شرفة منزل فيروز

في زيارته الثانية للبنان أراد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يطّل على اللبنانيين، في اليوم الأخير من مئوية لبنان الكبير، من منزل من إرتبط إسمها بإسمه على مدى سنوات طويلة، فكانت تلك “الشمعة على دراجه”. إنها فيروز، التي لا يزال صوتها يصدح مع إشراقة كل شمس عبر الإذاعات اللبنانية والعربية، وهي التي إختارت أن تكون في الظل، وهي التي لم تحتاج إلى الضوء لأنها كانت “ضو القنديل” في مسرحيات لبنان الجميل، لبنان الرحابنة، لبنان الخالد، على رغم ما فيه من مناوشات بين أهالي هذا القاطع وذاك العابور.

إيمانويل ماكرون يعرف تمامًا تاريخ لبنان، ويعرف أن فيروز والأخوين الرحباني كانا جزءًا من هذا التاريخ، وقد إجتمعت العبقرية مع الصوت السماوي، الذي وصل إلى النجوم، فكانت “السيدة” سفيرتنا إليها، وكانت تلك الحكاية المنسية في الضيع الغريبة، ومشوار الغزل في ضوء القمر، الذي “بيضوي ع الناس والناس بيتخانقو”.

لبنان الذي نسجته مخيلة عاصي ومنصور وغنته فيروز لا يشبه لبناننا، الذي لم نعرف على مدى مئة سنة أن ننتشله من مفهوم “المزرعة” إلى مفهوم الدولة العصرية والحديثة والمنفتحة على الحضارات، وإلى مستوى “وطن النجوم”.

في نهاية تجربته في الحكم قال الرئيس الراحل فؤاد شهاب “لقد إستطعت أن أبني دولة ولكنني عجزت عن بناء وطن”، لكن الرحابنة، ومعهم فيروز، بنوا لنا وطنًا جميلًا غير الوطن الذي نعرفه، وقد سقطت عند أقدامهم صورة “راجح الكذبة” ليطل فجر ايام فخر الدين، وما حوته مسرحيات البعلبكية وجسر القمر وعودة العسكر والليل والقنديل وبياع الخواتم وهالة والملك والشخص وجبال الصوان ويعيش يعيش وصح النوم وناس من ورق وناطورة المفاتيح والمحطة ولولو وميس الريم وبترا من أحلام الطفولة المتكئة على غصن الياسمين.

لن تطل فيروز من شرفتها لتلوح بمنديل السفر للملاين، الذين عشقوا صوتها واسكرهم. ستكتفي بإستقبال الضيف العزيز من دون كاميرات، وهي التي اتعبها الضوء، ولتقول له شكرًا سيدي الرئيس. خلي عينك ع لبنان.

بهذه البساطة وبهذه الوداعة سيكون الحدث، لأن المهم بالنسبة إليها هو لبنان، والذي من أجله أتى الرئيس الفرنسي إليه مرتين في أقل من شهر.

وفي وداعها له ستسمعه إحدى روائع الأخوين الرحباني:

وطني يا جبل الغيم الأزرق

وطني يا قمر الندي و الزنبق

يا بيوت البيحبونا يا تراب اللي سبقونا

يا زغير و وسع الدنيي يا وطني

و طني يا دهب الزمان الضايع

وطني من برق القصايد طالع

أنا على بابك قصيدي كتبتها الريح العنيدي

أنا حجرة أنا سوسني يا وطني

جيراني بالقنطرة تذكروني و بلابل القمرة يندهوني

شجر أراضيك سواعد أهلي ششجروا

وجار حفافيك وجوه جدودي العمروا

وعاشوا فيك من ميت سني من ألف سني من أول الدنيي

وطني وحياتك و حياة المحبي

شو بني عم أكبر و تكبر بقلبي

وأيام اللي جايي جايي فيها الشمس مخبايي

أنت القوي أنت الغني و أنت الدني يا وطني.

.lebanon24

مقالات ذات صلة