لبنان

بين تثبيت الليرة وتحرير سعر الصرف… الخناق يضيق على الاقتصاد

كتب خالد أبو شقرا في “نداء الوطن” لم يعد هناك شيء يدعى “سعر الصرف الرسمي”. العبارة التي راجت منذ نهاية العام 1992 وكانت “مفخرة” الاقتصاد اللبناني “دفنت” مع الانهيار النقدي والمالي في مطلع العام 2020.

صفة السعر الرسمي استبدلت بادئ ذي بدء في التعاميم والدعاوى القانونية بـ “السعر المعتمد رسمياً”. ليعود ويُطلق على عمليات الصرف على اساس 1507.5 صفة “السعر المحدد في تعاملات مصرف لبنان”، لنصل إلى استخدام عبارة “السعر المحدد من قبل المركزي بتاريخ اليوم”. فأي متى يحين موعد إطلاق رصاصة الرحمة وتحرير الاقتصاد من عبء التثبيت المصطنع؟

الخطأ الأكبر الذي اقترف

الفرصة أتت بعد الانهيار الاقتصادي على “طبق من فضة “، إلا انها لم تستغل “لسبب في نفس الحاكم”، يقول المحامي انطوان مرعب. “وبدلاً من العودة إلى تطبيق قانون النقد والتسليف ولا سيما “المادة 229” منه التي تقول في البند الثاني بان “يعتمد لليرة اللبنانية، بالنسبة للدولار الاميركي المحدد بـ 0,888681 غرام ذهب خالص، سعر قطع حقيقياً اقرب ما يكون من سعر السوق الحرة يكون هو “السعر الانتقالي القانوني لليرة اللبنانية”، جرى الالتفاف مرة جديدة على القوانين، مرة بالصاق تهمة عدم تطبيق القانون بالحكومة، ومرة باطلاق المنصة الالكترونية لتحديد سعر الصرف التي عادت وثبتته بطلب من المركزي عند 3900 ليرة”. وبحسب مرعب فان “سعر السوق الحرة الذي يتحدث عنه قانون النقد والتسليف هو أقرب ما يكون إلى ما يطلق عليه اسم “السوق السوداء”، أي السوق الثانوية التي يتحدد فيها سعر الصرف على أساس العرض والطلب الفعلي”.

الازمة التي يتخبط بها لبنان عرّت سياسة التثبيت، ورفعت “ورقة التين” عن “عورة” النظام الذي اتبع منذ التسعينات على أسس وقواعد غير علمية وتنافي المنطق. “فكيف لبلد لا يملك موارد طبيعية ولا قدرات انتاجية له، ويقبع تحت ميزان مدفوعات عاجز، أن يثبت سعر صرف عملته؟ يسأل مرعب، ليخلص إلى ان “سياسة تثبيت سعر الصرف كانت الخطأ الأكبر الذي اقترف. والنتيجة أصبحت واضحة ومرئية من الجميع. ويمكن معرفة تفاصيلها بمتابعة المشاكل التي نحن في خضمها”.

رفع الدعم يحرّر سعر الصرف

منذ بدء سياسة التثبيت تدخل مصرف لبنان بائعاً لعشرات مليارات الدولارات من أصل مجمل الودائع بالعملات الاجنبية المقدرة بحدود 75 إلى 80 مليار دولار. جزء من الودائع التي جرى تحويلها إلى الكهرباء ودَفع السندات بالعملات الاجنبية، يمكن ترصدها وتتبعها بسهولة، وهي تقدر بحدود 15 إلى 20 مليار دولار. وجزء آخر يتمثل في الفوائد المرتفعة التي أعطيت في سياق “البونزي سكيم” Ponzi scheme لا يمكن تتبعها بدقة. أما بقية المبالغ المهدورة بالدولار من أصل 80 ملياراً فذهبت بشكل أو بآخر على تثبيت سعر الصرف. ولم يبق من العملات الصعبة إلا 19 مليار دولار تمثل احتياطي العملات الاجنبية، منها 17 ملياراً لا يمكن المس بها. و”هذا ما يقودنا مباشرة إلى وجوب وقف استنزاف العملة الصعبة من خلال رفع الدعم بأسرع وقت ممكن واستبداله بـ “الكوبونات”؛ أي بطاقات الدعم المباشرة إلى المواطنين”، يقول الخبير الاقتصادي دان قزي. وبرأيه فانه “فور رفع الدعم نكون قد تجاوزنا اكثر من ثلثي الطريق نحو تحرير سعر الصرف كلياً، ولا يبقى أمامنا إلا بعض المعاملات الرسمية والمصرفية وتسديد الديون التي تتم على أساس سعر 1505.7”. ومن وجهة نظر قزي فان “هذه الديون المقومة بالدولار لا تشكل عبئاً. ذلك ان تسديدها هو عبارة عن معاملات داخلية computer entries، فيما المشكلة الرئيسة تتمثل في وقف نزيف الدولار الذي يخرج من البلد، من أجل تمويل المشتقات النفطية والدفع بكميات كبيرة للعمالة الاجنبية”. قزي الذي يشدد على وجوب ان تكون عملية رفع الدعم منظمة، يعتبر ان سعر الصرف بدأ “تفليته” فعلياً ولم يبق عائق أمامه الا رفع الدعم ليتحرر بشكل شبه كلي.

ضياع قانوني

الجزء البسيط في التعاملات الذي لا يزال معلقاً على سعر صرف 1507.5 يكبر مثل كرة الثلج في المحاكم ويسبب الكثير من الارباك. وهذا ما يراه المحامون يومياً في عشرات الدعاوى التي ترفع بين الدائنين والمدينين، المؤجرين والمستأجرين، البائعين والمشترين، والمقترضين والمصارف. وبحسب المحامي المتخصص في الشأن المصرفي عماد الخازن فان “المدينين من أصحاب العقود المبرمة بالدولار يرفضون تسديد الدين بالدولار او بالليرة على اساس سعر صرف السوق أو المنصة ويتشبثون بحقهم المفترض بالدفع على سعر صرف 1507.5. وفي حال رفضت الجهة الدائنة قبول المبالغ يعمد المدينون إلى معاملة “عرض وإيداع” لدى كتاب العدل، ويستتبعونها بدعوى اثبات هذا العرض والايداع. وبحسب الخازن فان “تعدد أسعار الدولار مقابل الليرة من 1507 المثبت، مروراً بسعر المنصة الثابت، وصولاً الى سعر “السوق السوداء” المتحرك، وهو السعر الحقيقي للدولار، يخلق اشكالات قانونية كثيرة ويؤدي إلى حالة ضياع في المحاكم المولجة البت بصحة العروضات والايداعات. إذ أنه في ظل غياب معيار موحد لسعر الصرف يرتكز عليه القضاة لاصدار الاحكام، أصبحوا يستندون الى افادة تصدرها دوائر مصرف لبنان لا تعكس الواقع الحقيقي، أو على رقم مذكور في تعميم. وهم في جميع الحالات ينطلقون من ان سعر 1507 هو السعر الرسمي المحدد من قبل مصرف لبنان لغاية الآن، علماً ان تحديد سعر العملة يخرج عن صلاحيات مصرف لبنان. وحتى هذا الاخير لم يعد يعتبر 1507 سعراً رسمياً !!

“تحرير” تدريجي

الواضح ان عملية تحرير سعر العملة تتم بالتدرج وعلى مراحل. ولعل مطالبة مديرية الواردات في وزارة المال بضرورة تعديل السعر الرسمي للعملات الأجنبية في استيفاء الرسوم الجمركية خير دليل على بدء التحرير. هذا القرار سيتبعه بحسب المعنيين قرار مماثل في الدوائر العقارية والدوائر الضريبية وهلم جرا. وبحسب الخازن فانه “يجب التشديد من الآن وصاعداً على نقطة بالغة الاهمية تتمثل في فصل مهمة تحديد سعر العملة عن مصرف لبنان. والتحديد هنا يختلف عن التثبيت فهو ما قام به سابقاً عبر التدخل لشراء الليرة بهدف تثبيتها على سعر محدد. وهذا ما لم يعد باستطاعته القيام به بسبب النقص الحاد في العملات الاجنبية لديه. وبالتالي يجب حصر مهمة “المركزي” بالاعلان عن السعر الحقيقي لـ “الليرة” التي تتحدد في السوق (البورصة) من خلال عمليات التداول والعرض والطلب.

عدم تحرير سعر الصرف بشكل كلي قد يرجع برأي البعض إلى الخشية من ارتفاع الاسعار بشكل جنوني وانهيار مؤسسات وكيانات تجارية ومالية. أما بحسب البعض الآخر فان المحافظة على سعر صرف ثابت حتى لو أصبح اسمياً وليس فعلياً، يعود إلى تشبث حاكم المركزي برأيه وعدم رغبته في الاعتراف بفشل سياسة التثبيت التي اتبعت طويلاً. وفي كلتا الحالتين المواطن “يأكل العصي” والمسؤولون “يحصونها”.

المصدر: نداء الوطن

مقالات ذات صلة