لبنان

هكذا سيتم إستهلاك الاحتياطي من دون المساس به!

دعم أو لا دعم. كتاب من المصارف يُحذّر من المساس بالاحتياطي. صرخات المودعين المطالبين باستعادة الاحتياطي بدلاً من تبذيره. حاكم مصرف لبنان يرفض المساس بالاحتياطي… وغيرها من المواقف المحقّة التي تستنكر وترفض وتندد بإستنزاف الاحتياطي. لكن بين المواقف والحقيقة هوَّةٌ عميقة لا تردمها الأحلام، فالاحتياطي سيُستَنزَفُ لا محال، وما أن يُطل عام 2023 حتى تكون خزائن مصرف لبنان قد فرغت من آخر دولار. علماً أن ذلك قد يترافق مع فراغ رئاسي محتمل، وحكومة تصريف أعمال، وحاكمية مصرف مركزي خالية المقعد بحلول حزيران 2023، وما يترافق مع ذلك من تبعات أترك لمخيلة القارئ حرية الغوص فيها.
أما كيف سيتم إستنزاف الاحتياطي من دون المساس به، فإليكم السيناريو الأكثر احتمالاً:
تصوروا أن يقع لبنان في ظلام دامس لفترة أسبوع كامل بسبب عدم تلبية مصرف لبنان لطلب فتح الاعتمادات لإستيراد الفيول وهذا حقه، لا بل واجبه الذي يحتم عليه المحافظة على ما تبقى من أموال المودعين. تنقطع الاتصالات الهاتفية والانترنت وتتوقف آلية العمل في كافة المؤسسات العامة والخاصة، تنقطع المياه بسبب توقف المضخات، وتعم الفوضى على كافة الصعد. يتم استدعاء الحاكم من قبل السلطات العليا على كافة المستويات ويُلزم بفتح الاعتمادات المطلوبة. ولكن كيف؟
بين التعميمين الأساسيين لمصرف لبنان رقم 84 و86 والمادتين 76 و77 من قانون النقد والتسليف، تكثر التحليلات والاجتهادات عن أحقية مصرف لبنان التصرف “بالاحتياطي الإلزامي” أو “بالتوظيفات الإلزامية”، ولكل منهما تفسيره. لكن الطريقة التي ستُستعملُ من خلالها أموال الاحتياطي ليست بجديدة وقد تم استعمالها أصلاً منذ بدء الأزمة وحتى اليوم. لقد انخفضت الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف منذ بدء الأزمة وحتى اليوم بنسبة تقارب 14%، وبالتالي قام مصرف لبنان بتحرير ما يقارب ملياري دولار من “التوظيفات الإلزامية” وأعادها للمصارف ولكن “بالدولار اللبناني” وليس “بالدولار الطازج”، علماً أن ما تم تحريره من المفترض أن يكون مُودَعاً لدى المصارف المُراسِلة لمصرف لبنان في الخارج “بالدولار الطازج” لإعادتها نقداً للمودعين كما كان مفترضاً.
بما أن مصرف لبنان هو من يُحدّد النسبة المئوية “للتوظيفات الإلزامية” من مجمل الودائع بالعملات الأجنبية، فقد يلجأ المركزي تحت الضغط إلى خفض هذه النسبة من 15% إلى 12% ومن ثم الى 10% وحتى إلى ما دون هذه النسب، مستعملاً ما يتم تحريره لخدمة احتياجات الدولة وما تبقى من الدعم وذلك حتى تحرير واستعمال كافة إيداعات المصارف لديه على أنواعها، وذلك من دون المساس “بالتوظيفات الإلزامية” بالمفهوم القانوني للكلمة.
وبناءً على ما تقدم، فإن ما كُتِب قد كُتِب، وكل التصريحات من هذه الجهة أو تلك في ما يختص بالمحافظة على ما تبقى من أموال المودعين لا يعدو كونه جزءاً من التجاذبات السياسية ومن ربح الوقت، أما النتيجة فواحدة “العوض بسلامتكم”، وَدِّعوا آخر الدولارات من الاحتياطي، ولكن عن بعد وعلى صفحات الصحف وبالتصاريح فقط، لأن تحليل المحظورات صار مباحاً والعام 2023 أصبح قاب قوسين أو أدنى.

الدكتور فادي خلف
lebanonfiles

مقالات ذات صلة