لبنان

المفاوضات الحدودية إلى مربّعها الأول… وعون يرأس الاجتماع الثاني

كتبت كلير شكر في “نداء الوطن”:

تعقد اليوم اللجنة التقنية أو المتخصصة التي شكّلتها رئاسة الجمهورية بهدف مراجعة العرض الخطي المقدّم من الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، عبر سفيرة بلاده دوروثي شيا، قبل صياغة ردّ رسمي، اجتماعاً هو الثاني لها (قد يرأسه رئيس الجمهورية ميشال عون) بعد الاجتماع الأول الذي عقد نهاية الأسبوع الماضي، حيث جرى الاطلاع على الخرائط ومضمون العرض وتمّ الاتفاق على تأطير العمل، فيما التوجّه هو لعدم قبول العرض لكونه لا يتمتّع بالقابلية لثلاثة عوائق: أولاً، لا ينطلق الخطّ المتعرج الموضوع أمام اللبنانيين كخطّ وسطيّ، من نقطة الناقورة، لا يتضمّن كامل حقل قانا الذي تبدأ التقديرات بشأن إحداثياته من الرقعة التاسعة اللبنانية جنوباً حتى الخطّ 23، ويقضم مساحة لا بأس بها من الرقعة الثامنة اللبنانية فيما تضمّ المساحة المقضومة مكامن غنيّة جداً بالغاز.

ولهذا، يقول بعض المواكبين إنّ احتمالين اثنين يمكن أن يتحكّما بالردّ اللبناني الذي ينطلق وفق مصادر رسميّة من التمسّك بالسيادة اللبنانية ومبدأ المواءمة بين المصلحة العليا في الترسيم وعدم التطبيع مع إسرائيل:

– إمّا الرفض المطلق لكون العرض مجحفاً ويفرّط بحقوق لبنان ما يعني عرض الردّ على مجلس الوزراء لاتّخاذ موقف رسمي.

– وإما التحفّظ أو طلب الاستيضاح، مع المطالبة بتعديل هذا العرض، ما يعني الاستمرار في حالة التفاوض.

وفي ما لو كان الاحتمال الأول ولو أنّه غير مرجّح، فقد يعلن لبنان الرسمي عن تمسّكه بالخطّ 23 انسجاماً مع مواقف بعض المسؤولين، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية الذي أعلن صراحة أنّ الخط 23 هو خطّ التفاوض. وهذا يعني سقوط الخطّ 29 من الجانب اللبناني على عكس الرسالة المودعة في الأمم المتحدة والتي اعتبرت أنّه «لا يمكن الادّعاء بأنّ هناك منطقة اقتصادية إسرائيلية خالصة مثبتة، بعكس ما ادّعى الجانب الإسرائيلي بشأن ما يسمّيه حقل كاريش ما دفع لبنان إلى الاعتراض على أي أعمال تنقيب في المناطق المتنازع عليها، تجنّباً لخطوات قد تشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين». وطالما أنّ كاريش موجود ضمن الخطّ 29، فهذا يعني أنّ الرسالة قصدت بالمناطق المتنازع عليها، تلك الموجودة بين الخطين 23 و29.

ولهذا يقول المعنيّون، إنّ إصرار بعض المسؤولين اللبنانيين على اعتماد الخطّ 23 كخطّ تفاوض، لا يفقد الرسالة قيمتها وأهميّتها على المدى البعيد، لأنها ستبقى مرجعاً رسمياً موثقاً لدى الأمم المتحدة، ويمكن في المستقبل للبنان الرسمي أن يركن إليها لتعزيز موقفه التفاوضي، في ما لو لم تنجح الوساطة الأميركية.

ويضيف هؤلاء أنّه بمعزل عن طبيعة الردّ اللبناني، فإنّ الغاية الأساسية من العرض الأميركي هي تضييع الوقت بعدما نجح هوكشتاين في إعادة النزاع إلى مربّعه الأول، وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، إلى العام 2011، حين كان النزاع قائماً على الخطّ 23، أي على الـ860 كلم²، وبعدما رفعها الوفد العسكري المفاوض إلى الخطّ 29، ها هي المفاوضات تعود إلى ما كانت عليه، وقد انتقلت من النزاع بين الخطين 23 و29، إلى ما بين الخطين1 و23.

وبالتالي، كما انتظر الإسرائيلي عقداً من الزمن من دون أن يكون مضطراً للجلوس إلى طاولة المفاوضات لولا أنّ الأشغال في حقل كاريش قد تتأثر بالنزاع الحدودي، قد يكون راهناً، في الوضع ذاته خصوصاً أنّه عاد وكثّف اهتماماته النفطية الحدودية وكأنّه غير معنيّ بالنزاع الحاصل، وقد باتت منطقة استثماراته محمية بموقف لبنان الملتزم بالخطّ 23.

الغاز الشرق الأوسطي

في هذه الأثناء، فجّرت الحرب الروسية-الأوكرانية في أحد جوانبها المهمة، أزمة حاجة أوروبا إلى الغاز الروسي ووضعها في حالة طوارئ طاقوية، الأمر الذي فتح أبواب البحث عن مصادر بديلة للطاقة، وبينها غاز الشرق الأوسط، ولو أنّه لا يكفي لتعويض ما تحتاجه أوروبا كونها تعتمد بنسبة 40% من احتياجاتها على الغاز الروسي. لكنّه بالنتيجة، قد يساعدها على التفكير جدياً في مشروع استقلالها عنه. وهذا ما يفسّر حصول تطوّرين بارزين:

– ارتفاع وتيرة تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر حيث يتم تسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا التي تعمل إسرائيل على اجتذاب بعض دولها لبيع غازها. وسبق لها أن سعت إلى المشاركة في بناء خط أنابيب طوله 2000 كيلومتر يربط موارد كبيرة من الغاز في شرق المتوسط بأوروبا عبر قبرص واليونان وإيطاليا بتكلفة قدرها سبعة مليارات دولار، وقد أسّست في العام 2019، كلٌّ من قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين منتدى غاز شرق المتوسط الرامي إلى نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر قبرص من خلال خط أنابيب غاز شرق المتوسط (إيست ميد)، لكن سحب الولايات المتحدة، في كانون الثاني الماضي، دعمها المشروع أدّى إلى تعليقه.

– تطوّر المحادثات التركية-الإسرائيلية بهدف إعادة إحياء خط الغاز التركي الإسرائيلي لربطه بمركز التوزيع الأوروبي، خصوصاً أنّ كلفة هذا المشروع أقل بنحو 30 إلى 40% من كلفة خطّ قبرص- اليونان- ايطاليا. ويمكن أن يكون جاهزاً خلال 18 شهراً. صحيح أنّه لا يحلّ مكان روسيا بالنسبة إلى السوق الأوروبية، لكن إذا انضم إلى الغاز المصري والغاز الليبي مع زيادة إنتاج الجزائر وبدء إنتاج المغرب، فستصبح حاجة أوروبا إلى الغاز الروسي أقل من 15%.

سبق للبنان أن حذّر في آذار 2019 «جيرانه على البحر المتوسط من أن خط أنابيب الغاز (إيست ميد) المزمع مدّه من إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي يجب ألا يسمح له بأن ينتهك حدوده البحرية»، لكنّ الخطّ التركي وفق بعض الخبراء، سيمرّ حكماً بالمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وسوريا وقبرص اليونانية التي ستعترض على مروره، فيما سيكون السؤال: ماذا سيكون موقف لبنان من هذا الخطّ إذا عبر منطقته الاقتصادية؟ وماذا سيحلّ بالمفاوضات إذا كثّفت إسرائيل مشاريعها الطاقوية ونجحت في توسيع أسواقها الأوروبية من دون الحاجة إلى ترسيم حدودها البحرية مع لبنان؟ ماذا لو صحّت الأنباء عن استياء الإدارة الأميركية من خطوة هوكشتاين بعقده لقاء، ولو غير رسمي، مع رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل لكونه مدرجاً على لوائح العقوبات؟

مقالات ذات صلة