لبنان

سرّ قوّة حكومة الحريري الآتية

قد تكون نتيجة الإستشارات النيابية في القصر الجمهوري شكّلت مفاجأة، بعدما كلّف ٦٥ نائباً ​سعد الحريري​ لتأليف ال​حكومة​ الجديدة. كانت قوى سياسية تعتقد أن الحريري لن يتجاوز ٥٣ صوتاً. القوى ذاتها التي بَنَت إعتقادَها على سيناريو إفتراضي غير حقيقي، توقّعت الاّ يؤلف الحريري حكومته بسهولة. اساساً، متى كان تأليف الحكومات في ​لبنان​ سهلاً؟!. إستلزم التأليف الحكومي ذات مرّة ١١ شهراً، ومرات طالت العملية أشهر طويلة. لكن الواقعية اللبنانية التي تواكبها مستجدات سياسية حالياً، عابرة للحدود، تفرض أن تظهر التشكيلة المرتقبة خلال وقت قريب نسبياً.
لم يسبق أن نال الحريري في كل حكوماته الأربع السابقة دعماً دولياً، كما هو الحال اليوم. خصوصاً أن الدعم المُشار إليه مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط لإعادة إعمار مرفأ ​بيروت​، بل لإعادة رفد الإقتصاد اللبناني بمقوّيات ستحضر الشهر المقبل في مؤتمر المجموعة الدولية لدعم لبنان، “كي لا يسقط البلد في فوضى إجتماعية ومعيشية”. يُتوقع بعدها أن تكر محطّات الدعم المواكبة لخطوات الإصلاح الداخلي، ولمسار ​التنقيب​ عن ​الغاز​ في الحقول الجنوبية بعد ​ترسيم الحدود​. ومن هنا يُمكن الإشارة الى ترابط تلك المحطّات التي تساهم بإنتاج حكومة متعدّدة المهمات، تبدأ بإعادة إعمار المرفأ، ولا تنتهي برعاية ​الترسيم​ جنوباً، وما بينهما من شرايين إقتصادية يحتاجها لبنان.
وفي البعد الآخر إنّ الحكومة الآتية ستتولّى مهام جوهرية عنوانها: لبنان ساحة لوجستية تفاوضية. هنا يكمن سر قوة الحكومة العتيدة، لأن التبدّلات الداخلية والإقليمية أظهرت حجم الدور الذي ستلعبه الحكومة الآتية. ومن هنا ايضاً نشأ التوجه الدولي المستجد لدعم إعادة تولّي الحريري رئاسة الحكومة، وهو يحظى بثقة دولية وازنة: أوروبية-أميركية-روسية، ويتزعم أكبر كتلة سنيّة في المجلس النيابي اللبناني، ويدعمه نادي رؤساء الحكومات السابقين، ويستطيع صياغة تفاهمات مع اي فريق سياسي. علماً أن عواصم دولية وإقليمية حاولت البحث خلال سنة من عمر “​الثورة​” في لبنان عن بدائل، لكن محاولاتها لم تنجح، ولم تُثمر كل حملات التبني والدعم “للثوار”. لم تُفرز وقائع السنة الماضية الاّ مزيداً من الأزمات اللبنانية، لذلك عادت واشنطن الى عين التينة تحمل معها الموافقة على إتفاق الإطار بشأن التفاوض حول ترسيم الحدود الجنوبية، بعد سنوات عشر من التفاوض الشرس الذي عاند فيه رئيس المجلس ​نبيه بري​ كلّ الموفدين الأميركيين. وعندما إعتقدت واشنطن أن “الثورة” ستفرز قيادات ووقائع سياسية ومفاوضين جدد في لبنان، أحبطت أشهر السنة الماضية إعتقاد الأميركيين، مما ساهم في تسريع الخطوات بشأن الترسيم والحكومة والمؤتمرات المرتقبة، والأهم دور لبنان كساحة لوجستية تفاوضية.
لن يكون لبنان محايداً، بل هو مساحة تربط دول الإقليم. ستكون بيروت هي قناة إتصال مفتوحة بين معظم الدول، وخصوصاً بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وبين السعودية واليمن، وبين سوريا والأوروبيين، وبين العرب و​طهران​، وبين تركيا والآخرين.
كل المؤشرات تدعم توجّه لبنان لخوض تلك التجارب التي يستطيع ان ينجح بها: الم يكن بري من أول دعاة الحوار الإقليمي؟ والدولي؟ أعرف شخصياً، وبالتفاصيل، أنه حاول أن يلعب دوراً لوقف حرب اليمن من خلال حوار غير مباشر قاده برّي بين السعوديين والإيرانيين في أول سنة من تلك الحرب. لكن الظروف لم تكن مؤاتية لنجاح الخطوة. حالياً باتت الظروف جاهزة. هذا ما أكدته عملية تبادل الأسرى منذ أسبوع.
ألم يذهب المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى الولايات المتحدة الأميركية للقيام بدور الوسيط من أجل حل ملفات أمنية شائكة بشأن سوريا والعراق؟.
ان المزاحمة على النفوذ في الإقليم تساعد لبنان في لعب دور طليعي تكون فيه حكومة الحريري هي البيئة الرسمية الحاضنة للوساطات الإقليمية، أو تلتقط نتائج تلك الأدوار لتوظفها في عملية إستنهاض البلد.
لكن المطلوب من “الشيخ سعد” الاّ يكرر تجربة حسان دياب في تأليف حكومة “خفيفة الفاعلية” بالمفرق، وبالجملة، بل حكومة آتية من رحم مستجدات عابرة للحدود، تكون وازنة وفاعلة ومقتدرة.
elnashra

مقالات ذات صلة