لبنان

فنجان القهوة صامد على الـ500 ليرة في طرابلس

انه فنجان القهوة الجوال. لا ليس من السهولة بمكان أن تضعف أسس هذه العلاقة الراسخة بين الطرابلسي، أو رواد المدينة من أنحاء البلاد، مع هذه السلعة المهمة بالنسبة للكثيرين.

فالمسألة حكاية علاقة متجذرة بين الناس وهذه الآنية النحاسية البراقة التي يحملها إما خلفه على دراجة هوائية أو دراجة نارية أو يخصص لها منصة أو تمترس خلف بسطتها عند كل موقع تزدحم عنده الأقدام أو يجول طوال النهار يتنقل من حي إلى آخر ومن شارع إلى شارع وبين المؤسسات التي اعتادها فيقدم القهوة دون سؤال أو استئذان. فقد اعتاده المكان وأهله واعتادهم في نمط يومي مألوف. فأما أن يرحل ليعود في وقت آخر ليأخذ ما استحق له من مال أو ينتظر فيقبض فورا.

هنا يروي بعض باعة القهوة أنه وقبل الأزمة المالية كانت بعض المؤسسات تستدين كميات كبيرة من فناجين القهوة التي يبلغ ثمنها عشرات الآف من الليرات فيصير تحصيلها أمرا مهما يعود على صاحبنا الجوال بدفعة يسد بها رمق عياله.

هي ظاهرة حلوة في مدينة طرابلس وقد ازداد عدد العاملين فيها في ظل ازمتين: الأولى، ما قبل الثورة السورية، والثانية بعدها حيث اختار النازحون المصبات معيلا لهم.

وقبل ذلك كان عدد بائعي القهوة ضئيلا نسبيا وعددهم محصور، وبعضهم كان قد أصبح معروفا حيث يتنقل او حيث يتخذ لنفسه مكانا ثابتا وروادا معروفين لا يتغيرون لا يزداد عددهم ولا ينقص إلا في ما ندر. ولعل الإشارة إلى بعضهم تسر روادهم. فمنم من يتنقلون مشيا على أقدامهم في المدينة صاروا يعرفونهم ويألفونهم ومنهم من لا ينتقل من ساحة عبد الحميد كرامي النور، ومنهم في باحات الدفتار وباب الحديد وساحة النجمة وطلعة الرفاعية وتقاطع عزمي ومواقع عدة في ابي سمراء وفي القبة وباب الرمل وعند مدخل جمعية العزم والسعادة التي حولت الحي والجوار ومواقع عدة في طرابلس والشمال إلى مناطق تعيش مع منطق التنمية والخدمات بأبعادها المختلفة ، كما ترى رواد الساحات لا يفارقونها ليلا ولا نهارا، وفي الميناء وساحاتها الترب والشهداء والطاحون وحي البلدية وساحة الطبيب اللبان.

لقد تحول هؤلاء إلى جزء من يوميات طرابلس أم الفقير، التي تداهمها هذه الأزمة فتضغط عليها لترفع أسعار سلع لطالما تميزت بها وبباعتها وروادها.

واليوم لا يمكنك أن تتنقل في المدينة الا وتلتقي بواحد منهم هذا يحمل المصبات وذاك يدفع عربتها وقد زينها ليظهرها بأفضل حلة وذاك اضاف إليها الكعك والدخان والمياه، والبعض يقدم الخدمات حيث هو فلا يرفض للسائل طلبا، أولا يقال في مصر “أن الرزق يحب الخفية”.

قصص تستحق تقدير القهوجي
وأمس بعد المعلومات عن رفع سعر الفنجان الواحد إلى الف ليرة تنقلنا في “لبنان 24” بين الأزقة والشوارع والأحياء للإستفسار عن أسباب رفع سعر القهوة ، وقبل حصولنا على الأجوبة اذا بنا نلتقي أشخاصا يعيشون مع نتاجهم اليومي قصص صمود لعائلات رافقتها القناعة الطيبة والبركة الأكيدة ، كيف لا وهي طرابلس أم الفقير وستره وستاره.

فهنا في عمق الزقاق الميناوي قهوجي يعيل والدا وأما واختا، وهناك في باب الرمل عريس سدت الابواب في وجهه إلا من مصبي قهوة يعيلانه وعروسه والطفل المنتظر، وهنالك قهوجي لا يغيب على مدار الأربع وعشرين ساعة يتناوب مع شقيقه على عربة القهوة فيعيلان عائلتين يتجاوز عدد افرادهما عدد أصابع اليدين ولا تتشابه أوضاعهم جميعا، فلكل في أي حي من أحياء المدينة قصة نضال ومرات مآس راكمتها يوميات مدينة متروكة لقدرها.
هيثم والثورة
وفي نهاية المطاف وبعد جولة لساعات انتقلنا إلى ساحة النور وطلبنا فنجان قهوة من هيثم ضناوي .

“شو يا هيثم صار بالف ؟: بعد على الطريق”.

ويسرد هيثم حكاية الأسعار التي ارتفعت مرارا من السكر إلى البن فالفنجان البلاستيكي فالفحم .. ليقول الزيادة أمر اضطراري لا بد منه ففي رقبتنا عيال لا بد من توفير غلة يومية لهم ، ولن نذكر المبلغ الذي أتى على الإشارة إليه فهو لا يكفي ثمن كيلو من اللحم لنسأل أنفسنا كيف تراها تعيش هذه العوائل المسكينة؟.

ويخرج هيثم عن صمته ونحن نسأله عن الحشود التي تدفقت وسكنت الباحة لأشهر ليقول في الأيام الأولى استفدنا كثيرا ولكن مع تدفق عشرات القهوجية تراجع العمل فاخترت أن انتقل بعيدا كنا نحصل عشرين ألفا كانت كافية لنا. كان الدولار بالف وخمسمئة.

ويسرد هيثم كيف أنه يتناوب وشقيقه ليل نهار على العربة لتحصيل الرزق من المارة ورواد ساحة لا تنام.

ويخرج عن النص ليتحدث عن محاولة الحصول على دعم من هذه الجمعية أو تلك ليشرح انه يوفق تارة ويخفق تارة فلا تلبيه جميعها لكنه روى نيابة عن رفاقه ما يعيشونه كل يوم.

صوت قرع الفناجين الغائب
وبعد،

لن تغيب هذه المهنة وأمس لم يرفع الكثيرون سعر فنجان القهوة ولو اعتبروا أن تعديل السعر حاصل.

وتمضي في أزقة طرابلس وقد غاب إلا نادرا فنجان القهوة الزجاجي كما غابت أصوات قرع فناجين النحاس برنتها الجميلة والتي غابت وقد انضمت إلى تاريخ قريب بعيد ، تاريخ أيام الخير واهلها.

.lebanon24.

مقالات ذات صلة