اخبار بارزةلبنانمباشر

ماذا لو أكمل الزمن مساره في ذاك الرابع من آب؟

كتبت زيزي إسطفان في “نداء الوطن”:

ماذا لو لم تتوقف عقارب الزمن عند السادسة وسبع دقائق، ماذا لو تعطلت ساعة الكون يومها وعادت الى الوراء بدل أن تسير الى الأمام؟ بكلام أبسط ماذا لو نزل حسان دياب الى المرفأ يومها وفتح أبواب العنبر رقم 12 أو ماذا لو استجاب قبله أحد المسؤولين، أي منهم، للمراسلات وأصدر أوامره بنقل النيترات من المرفأ… لكان الضحايا عادوا الى أهلهم وعائلاتهم سالمين تاركين للحياة أن تحملهم الى حيث تشاء او يشاؤون.

لو أكمل الزمن مساره أين كان إلياس خوري سيكون اليوم أو شربل ونجيب حتي وشربل كرم وسحر فارس وعلي مشيك ونيكول الحلو؟ وأين كان إيزاك وألكسندرا يلعبان اليوم؟ وكيف كان أيمن وأحمد وجسيكا وغايا وكريستال وملاك ومصطفى ونزار وكل الباقين ليمضوا أيامهم؟ كيف كانت لتكون حياتهم وحياة أحبائهم في هاتين السنتين؟ سؤال مؤلم يعاند القدر ويتحداه ويخرج من معركته معه منكسراً لكنه يترك لأهل الضحايا أن يعيشوا معهم في الخيال ولو لدقائق، يتحدثوا عن أحبابهم ويرسموا لهم في بالهم أجمل غد.

الحلم المشترك

نجيب حتي، شربل حتي وشربل كرم ابناء قرطبا الثلاثة وأبطال فوج الإطفاء الذين تربطهم صلة الدم والأحلام والطموحات المشتركة رحلوا تاركين وراءهم أحلاماً لم تزهر ومشاريع لا تزال في بداياتها . الدنيا لم تكن لتسعهم، كل واحد منهم كان ينظر الى غده بثقة ويتوق إليه ليحقق أمنيات هي الأعز على قلبه. شربل كرم رحل تاركاً كارلين وطفليه، امّحى غده في تلك اللحظة التي لو توقفت لكان اليوم أباً لعائلة أكبر كما تقول كارلين.»كان يريد المزيد من الأولاد وعائلة كبيرة وكنا لنسافر كلنا معاً الى إيطاليا كما كان يحلم…» هل كانت هاتان السنتان لتغيرا حياته؟ «لم نكن نريد لحياتنا أن تتغير، كنا مبسوطين كما نحن ومقتنعين. ليتها لم تتغير ولم يرحل الشباب تقولها كارلين بدمعة» هل كان ليتقدم رتبة ومسؤولية في الإطفاء؟ «ليس هذا ما كان يهمه همه إنقاذ الناس، كان مسروراً بعمله وكان اليوم ليكون بالاندفاع ذاته يقحم نفسه بالنار لينقذ سواه».

نجيب حتي صغير البيت الذي يعشق قرطبا ضيعته كان حتماً سيبني له بيتاً في القرية التي يحب يسكن فيه ويبني عائلة. باكراً حصد الانفجار أحلامه لم يترك له الوقت ليحب ويتزوج ولا ترك له المجال ليكبّر مصلحته كما كان يخطط» هو الذي يعمل في قطاع الجرافات والكميونات الى جانب الإطفاء تقول شقيقته كارلين لربما كان اليوم قد حقق طموحه باقتناء المزيد من الآليات او اشترى لنفسه السيارة التي يحب لممارسة رياضة الأوف رود». وربما كان مع شربل ابن عمه وشربل صهره قد حققوا المشروع الذي كانوا يتكلمون به دوماً وهو إنشاء مشروع سياحي على قطعة أرض في قرطبا ووضع الخيم والكارافانات فيه ليكون مقصداً للعطلات كما كان يحلم بالأخص شربل حتي الذي بدأ مع والده بوضع الأسس لهذا المشروع لكن صدى الانفجار قطع عليه الطريق في بدايتها. لو سكت الصدى لربما كان شربل حتي يستقبل أول زبائن مشروعه هذا الصيف وينطلق برحلات على الطرقات الوعرة في سيارة الأوف رود المعدلة التي كان يعمل عليها وربما كان الشباب الثلاثة قد وضعوا يدهم بيد بعض وتعاونوا على إنجاز المشروع الحلم أو لربما اكتفوا بمتابعة حياتهم في حضن عائلتهم وبين أهل قريتهم وشبابها.

لو توقف الزمن كانت سحر فارس لتكون عروساً تعيش تحت سقف واحد مع جيلبير القرعان الخطيب الذي يعشقها ويعشق كل لحظة قضياها معاً ولربما كانا رزقا بأول طفل لهما ويكونان اسعد زوجين كما يؤكد جيلبير الذي لم ينس للحظة واحدة منذ سنتين الصبية التي انتزعها منه غدر الانفجار بلحظة. ولم تكن الصبية الطموحة لتكتفي بنجاحها الأسري بل كانت لتحقق حلمها بالترقي الوظيفي والوصول الى مراتب أعلى. «سحر كانت دائماً تردد سأجعل الناس تحكي فيّ وسيؤدون لي التحية، حتى أنت ستؤدي لي التحية…» بحرقة يقول جيلبير «لقد أدوا لها التحية لكن بشكل مختلف عما أرادته. كما لو انها كانت تدرك ما ينتظرها. كنت أضحك وأقول لها أنا أعلى منك رتبة لكن يشرفني ان تسبقيني …».

سحر ربما كانت اليوم قد بدلت سيارتها وتستعيد مع اختها ماريا وصديقاتها أخبار شهر العسل الذي قضته مع جيلبير وربما كانت لتضع جدول اولويات بالأحلام الكثيرة التي أرادت تحقيقها خطوة خطوة.

نيكول الحلو الصبية الرقيقة المرحة المحبة للحياة برأي كل من عرفها لا تزال والدتها غير قادرة على التحدث عنها أو تقبل فكرة رحيلها. هي «غنوجة البيت» بين شقيقتيها وفرحته تقول ابنة خالتها، وهي الصبية الطموحة التي تعمل في مصرف وتطمح للتقدم في وظيفتها. تحب السفر مع الأصحاب وقضاء الويك أند في الضيعة. ماذا كانت نيكول لتخطط لهذا الصيف؟ أي بلد كانت لتزور في عطلتها ؟ ربما كانت لتكون مغرمة، تحلم بزفافها أو مرتبطة ترسم لغدها صورة عائلة مكتفية سعيدة…

علي مشيك الذي نهشت الأزمة احلامه وطموحاته قبل ان ينهش الانفجار حياته كان يسابق الوقت ليؤمن لقمة العيش لأولاده. في طريق عودته الى البيت استدعاه رب العمل فسارع الى المرفأ من أجل بضع ساعات إضافية ربما كانت لتشتري له ولعائلته بعض الفاكهة الصيفية او لعبة لصغاره أو دفاتر فروض العطلة لهم. لو لم يلبِ نداء لقمة العيش لكان علي اليوم مع عائلته يقف سنداً الى جانب زينب زوجته وأبنائه الثلاثة. «رغم صعوبة الظروف المالية التي نمر بها وقساوتها تقول زينب وجوده بيننا كان ليخخف عنا. ربما كان ليركض أضعاف ما كان يفعل سابقاً لكنه يكون موجوداً ليسند ابناءه ويشعرهم بالأمان. وكم كان ليفرح ويفتخر بنجاح ابنه البكر بشهادة البريفيه ويشتري له هدية او يقيم له حفلاً ولا يتركه وحيداً كما هو اليوم…».

جو نون أحد أبطال فوج الإطفاء ابن الـ27 عاماً كان زينة البيت بضحكته الدائمة وحبه الجارف للحياة. مستعجلاً كان لينهي بيته ويتزوج كما يروي والده طوني نون. راتبه لم يكن يكفيه فهو يحب الحياة والمصروف ورفقة الأصدقاء. لو أكمل الزمن مساره ذلك اليوم لكان بيت جو قد شارف على الانتهاء اليوم وكم كان ليكون فرحاً به هناك في ضيعة مشمش الجبيلية. وربما كان ليساعد مع أخيه ويليام والديهما في المطعم ويتسلل في عطلة نهاية الأسبوع الى الصيد مع رفاقه. كانت الضحكات والأحاديث والمشاريع لتملأ بيت نون كما كانت دائماً بدل الصمت الذي صار يعشعش داخل جدران البيت.

إلياس خوري المراهق الهادئ المبتسم دوماً وصاحب العقل المتقد ذكاء وموهبة وطموحاً انقصف مشواره في بداية الطريق، لم يمهله القدر او الغدر والإهمال حتى يضع رجله على أول السكة، القى بضبابه السميك على طريقه فترنح إلياس لاسبوعين بين الحياة والموت ليلفه الضباب بعدها ويسرق منه مستقبله وحياته. إلياس عاشق موسيقى الراب سبق أغنياته الى قلوب كل محبيه ولم ينتظر حتى يفرح بها. كم كان فرحه سيكون كبيراً لو عرف أن إحدى أغنياته قد وصلت الى تطبيق أنغامي وكم كان ورفاقه في الفرقة الموسيقية سيجهدون لينتجوا المزيد من أغاني الراب . لكن الموهبة والشغف ما كانا سيلهيانه عن الدراسة فالياس كان ليتخرج هذا الصيف مع رفاق مدرسته «يسوع ومريم» ويحتفل معهم بنهاية سنوات الدراسة وبدء المشوار الجامعي وكان سيختار لنفسه رفيقة ليدخلا معاً الحفل بأجمل طلة. وكم كانت امه ميراي وابوه ليفرحا به ويمطرانه بالصور في هذا اليوم المميز. ومن يدري إن كان إلياس ليتبع خطى والده ويختار الهندسة الداخلية والفنون الجميلة كاختصاص جامعي او يغير رأيه في آخر لحظة ويذهب نحو اختصاص مفاجئ؟

ملاكان

إيزاك وألكسندرا الملاكان الصغيران اللذان زرعا الفرح والضحكة والحب في منزل عائلتيهما، قصيراً جداً كان مشوارهما على الأرض، قسراً رحلاً حين عصف الانفجار بالمنزلين. صغيران ظن كل منهما أنه بأمان في حضن العائلة داخل جدران البيت لكن ملائكة الموت كانت تحوم حول تلك الجدران. سنتين وثلاثة اشهر كان عمر أيزاك وهو يتناول عشاءه الأخير مع والديه الأوستراليين في حي السراسقة. قطعة زجاج متطايرة أصابت صدره مسببة نزيفاً حاداً لم يصمد بعده طويلاً في المستشفى ففارق الحياة. ايزاك كان طفلاُ ذكياً مليئاً بالحياة يلعب في حديقة قصر سرسق ويلاعب الهررة هناك ويقول كلماته الأولى. كانت أمه سارة سعيدة جداً لنيل ابنها فرصة تعلم ثلاث لغات في لبنان وفرصة اللعب في الخارج وكانت الحامل تحضره لاستقبال الطفلة الآتية … لو استطاعت العائلة المغادرة كما كان مقرراً في أواخر آب لكان أيزاك حمل معه الى أوستراليا كلماته العربية التي حفظها هنا وبعض كلمات فرنسية ولكان ربما اصر على العودة الى حديقة سرسق ليجر عربة شقيقته ويلاعب معها الهررة التي تركها هنا…ويكمل مشوار حياته الحافل بالحب والمفاجآت.

ألكسندرا لم تكن قد أتمت سنواتها الأربع حين ألقى بها الانفجار تحت ركام البيت، لم تعرف عن لبنان إلا ساحات ثورته التي وجدت فيها ملعباً لها. حياتها كما الثورة أجهضت في بدايتها لم تزهرمستقبلاً وأحلاماً كما لم تزهر الثورة وطناً. ألكسندرا كانت لتكون اليوم في الخامسة والنصف من العمر تلعب مع رفيقاتها في مدرسة الجمهور وتستعد لدخول الصف من جديد وربما تسأل والدها لماذا لم نعد ننزل الى الساحة ونحمل العلم؟ أين ذهب كل الناس؟ ومتى ننزل من جديد؟

224 اسماً ووجهاً وحياة غابوا عن سجلات الحياة وغابت معهم قصصهم التي جف حبرها في منتصف الأحداث او بداياتها. عرفنا لها نهاية واحدة لكن كل قصة كان يمكن ان تكون لها نهاية (او بداية) مختلفة فقط لو … لو صم الموت أذنيه أو فتح المسؤولون آذانهم وضمائرهم …

مقالات ذات صلة